الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
98
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
والقوة الروحية على تطبيق تلك الأحكام تطبيقاً كاملًا . ولقد كانت السيرة النبوية المطهرة كلها تطبيق حرفي لهذه الحقيقة ، والتي أشير إليها في القرآن الكريم بمفردة ( التزكية ) وذلك في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ « 1 » . ولكن التزكية شئ ، وتعليم القرآن الكريم شئ آخر ، إذ المراد من قوله تعالى : يُزَكِّيهِمْ هو أن يعطيهم أو يمنحهم أو يفيض عليهم حالة التزكية ، فلم يقل عز وجل : يعلمهم التزكية ويعلمهم الكتاب . بل قال : وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ ، ففرق كبير بين علم التزكية وهو الأحكام الشرعية وحالة التزكية ، وهو كالفرق بين علم الصحبة وحالة الصحبة ، والجمع بينهما هو الكمال . فعلم التزكية يشمل كل ما علم حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم صحابته الكرام أحكام تطهرهم من الذنوب وتقربهم من ربهم عز وجل ، كالعبادات من صلاة وصيام وغيرها ، ومسالك الآداب من ورع وزهد وحلم وغيرها . وأما حالة التزكية فهي كل ما حل على الصحب الكرام ( رضي الله عنهم ) من صفات طيبة وأحوال روحية تزكي أنفسهم ، وذلك اكتساباً من الصفات الزكية لأستاذهم حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم . وبعبارة أخرى : إن علم الصحبة شامل لكل ما تعلمه الصحب الكرام من حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأما حالة الصحبة فتمثل ما اكتسبه الصحب الكرام جراء وجودهم في صحبة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم .
--> ( 1 ) - الجمعة : 2 .